الاثنين، 23 نوفمبر 2015

Nawwaf Barri
الوطن
ما هو الوطن:
هل هو الأرض التي تقدم قوت الإنسان الذي يعيش عليها، هل هو النظام السياسي الذي يضمن العدالة والمساواة والسلام الاجتماعي لكلِّ مواطنيه، هل هو الأهل والأقارب والأصدقاء الذين يحيطوننا بالحب وتملأ وجوههم أيامنا، هل هو البيوت والأحياء والشوارع التي طرقنا أرصفتها طوال سنين فصارت جزءاً من ذاكرتنا لا يمحى وكتبت عل صفحاتنا البيضاء كتاباتْ لا تنسى.
بالطبع الوطن هو كلُّ هذا على السواء، ولكن حين تكفُّ الأرض عن إطعام أبنائها ويغيب السلام الاجتماعي ولا أحد يحققه ويتفككُّ المجتمع حتَّى القتل والموت ولا توحِّدهُ إلاَّ الكراهية والحقد وحين تتَّشتت العائلة والأقارب في أركان الأرض بحثاً عن الرزق وما بقي منهم يعانون الفقر والمرض ويطَّرون لبيع قيمهم من أجل البقاء وحين تهدم البيوت والشوارع القديمة التي تُعَّدُ جزءاً من تراثنا التاريخي لبنى بنايات وشق عشوائيا بلا احترام لأية هندسة معمارية أو مدنيَّة، ماذا يبقى من الوطن.
نعم يبقى ذلك الإحساس الغريب بالانتماء والحنين لذلك الجزء من ذاكرتنا وتكويننا النفسي والعقلي الذي خطَّتهُ سنين أساسية في تكوين الإنسان هي الطفولة والشباب، وإذا سألنا الأطفال الذين غادروا أوطانهم وهم صغار فوطنهم هو الوطن الذي رباهم وإذا سألنا الذين غادروا وهم شباب صغار قبل العشرين فإنَّ تعلقهم بالوطن ورؤيتهم مختلفة عن الذين تركوه بعدما عاشوا فترات أطول من الدراسة الجامعية والعمل وغيرها.
من الطبيعي أن يبقى الحنين للوطن أو لذلك الجزء من ذاكرتنا وتكويننا وإلاَّ فعلينا أن نبترَ جزءاً لا يتجزأ منَّا ونصبح عاجزين، ولكنَّ مفهوم الوطن غير ثابت ْ ومتَحوِّل ولا يزالْ يتطُّور مع تطُّور رؤية الإنسان، ففي التاريخ كان الوطن لإنسان الكهف هو كهفه والمجموعة التي يعيش معها ثمَّ صارت القبيلة أمَّا القبائل الأخرى فأعدائه، ثم صار الوطنُ شعباً يضمُّ قبائلَ مختلفة، ثمَّ صارَ الوطنُ ديناً وهنا نشأت معضلةٌ حقيقيَّة وقامت الحروب، فباسمِ الدين اختلطت الأوطانْ وضاع مفهومه كما ضاعت الانتماءات وصار السؤال الحقيقي هل ننتمي إلى وطن أم إلى فكرة وعقيدة.

اليوم صارَ العالم ُ صغيراً جداً بعدَ وجود وسائل التواصل الإلكتروني وما يجمع الناس في هذا العالم الجديد ليسَ الأرض والشوارع ولا الأحياء بل الأفكار والأحاسيس وبدأنا نسير بلا محالة لوطنٍ جديد اسمه وطن الأفكار والقيم المشتركة.
حين كنت في بلدي وغادرت المدينة التي ولدت فيها إلى مدينةٍ أخرى شعرتُ بالغربة وكانت مدينتي الأولى هي وطني وحين غادرت بلدي إلى بلدٍ أخرْ صارت بلدي كلَّها وطني وحين غادرت المدينة التي عشتم فيها عشرين سنة لمدينة أخرى شعرت بالغربة كما لو كانت تلك المدينة وطني، وحين سيسكن أهل الأرض كواكب أخرى سيشعرون بالغربة ويقولون أنَّه الأرض وطنهم وكلُّ شيء نسبيُّ.
نعم أنا واثقٌ أنَّه حين يسموا فكر الإنسان لمفهوم أنَّه الأرضَ كلَّها وطننا ويتحرَّر من رؤيتهِ الضيِّقة للعالم والحياة فإنَّ الأرض ستعرف السلام ولن نحتاج للجنَّة والنار في السماء لكي تُسكِّن أرواحنا وخوفنا من المجهول ومن الآخرْ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق